محمود أبو رية

337

أضواء على السنة المحمدية

تعرض في طرقها ، لا سيما أو الجرح مقدم عند الأكثر ، فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد ، ويكثر ذلك فتقل روايته لضعف في الطرق ( 1 ) . كلمة عامة ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن علماء الجرح والتعديل قد بذلوا جهدا كبيرا في تمحيص ما روي من أحاديث رسول الله مما يستحقون عليه الثناء الطيب والتقدير الحق . بيد أنهم على فضلهم وتدقيقهم ، لم يبلغوا الغاية من عملهم ، إذ لا تزال كتب الحديث تحمل الكثير من الأحاديث المشكلة ، أو التي يبدو عليها الوضع . ولم يكن ذلك عن تقصير منهم - رحمهم الله - لأنهم قد بذلوا كل طاقتهم في عملهم ، وإنما كان ذلك لأمر فوق قدرتهم البشرية ، ذلك بأن حكمهم على الرجال إنما كان ( لظاهر أحوالهم ) وما وصل إلى علمهم من أخبارهم ، أما بواطنهم ، ودخائل نفوسهم ومطويات ضمائرهم ، فهذا أمر من وراء إدراكهم لا يطلع عليه إلا علام الغيوب ، ورب رجل حسن السمت طيب المظهر ، إذا كشف عن دخيلته تبين لك سوء مخبره ، وهذا أمر لا يمتري فيه أحد ، وقد تكلم فيه العلماء المحققون ، قال مجتهد اليمن الوزير اليماني في الروض الباسم ( 2 ) : إن الإجماع منعقد على الاعتبار بالظاهر دون الباطن ، ومن نجم نفاقه ، وظهر كفره يترك حديثه ومن ( ظهر إسلامه ) وأمانته وصدقه قبل وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه ، فقد عملنا بما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق جهدنا ، وقد كان رسول الله يعمل بالظاهر ويتبرأ من علم الباطن ، وإلى ذلك الإشارة في هذه الآية بقوله : " لا تعلمهم نحن نعلمهم " أي أنه صلى الله عليه وآله لم يمكن يعلم المنافقين وذلك في الآية " 101 " من سورة التوبة ونصها : " وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ، نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم " .

--> ( 1 ) ص 444 من المقدمة طبع بيروت . ( 2 ) ص 151 ج 1 . أضواء على السنة المحمدية